مقدمة كتاب دليل الأحباب

إِلى حقيقة التصوف الإسلامي بطريق السؤال والجواب
 

الحمد لله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد المصطفى، وعلى آله وصحبه وخلفائه وورثته أهل الصفا، وأتباعه بالحق إلى يوم الملتقى.

وبعد: فلما كثر التساؤل عن التصوف الإسلامي، ونهج ساداتنا من الصوفية الأفاضل y، في ظل الشبهات والخزعبلات المنسوبة إليه فتنة أو جهلاً، رأينا أن نجمع مكتوباً من كلام أئمة التصوف المتحققين y، نبين فيه حقيقة هذا الأمر العزيز، التي كانت هي مدار كلام السلف الصالح y، وجعلنا عمدته: كتاب مولانا خادم الحق الشيخ طارق بن محمد السَّعْدِي الحسني t الموسوم بـ: ( إعلام المؤمنين، بمبادئ علم التصوف " ثالث أركان الدين " )، إضافة إلى متفرقات من مكتوبات شيخنا t في علم التصوف، مع زيادات يسيرة من كلام أئمتنا وساداتنا الصوفية y، سالكين طريقة السؤال والجواب حتى يعيه الطلاب.

هدفنـا منه: إظهار صفة التصوف القائم على نهج القرآن والسنة، والبريء كل البراءة مما ألحقه فيه بعض من ينتسبون إليه زوراً، أو بعض الغلاة الذين ابتعدوا بفهمهم عن التصوف الحق؛ إذ التصوف الإسلامي الحقَّ لا يتأثر بمثل هؤلاء، كما لا يلزم من وجودهم الانصراف عن التصوف واتهامه بما عندهم؛ كما لا يتأثر نفس دين الإسلام عموماً بالمبتدعة والفرق الضالة، ولا يلزم الانصراف عنه لوجودهم.

قال العلامة زروق رحمه الله تعـالى:" فغلاة المتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليين، وكالمطعون عليهم من المتفقهين، يرد قولهم ويجتنب فعلهـم، ولا يترك المذهب الحـق الثابت بنسبتهم إليه وظهورهم فيه "[قواعد التصوف:القاعدة 35].

وقال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أصل علم التصوف وأثنى عليه:" وعلمت أيضا أنه كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه فأدى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، فوجَّه أهل العلم للتمييز بين الصنفين ليعلم أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملت الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية، فلم أر صوفيا محققا يقول بشيء منها، وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادعوا أنهم صوفية وليسوا منهم "[تأييد الحقيقة العلية:57].

وقال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في معرض بيان البدع الحادثة في مجالس العزاء والمآتم والختمات والتي ابتدعها أشخاص تزيوا بزي الصوفية وانتحلوا اسمهم، قال بعد إنكاره لها:" ولا كلام لنا مع الصُدَّق من ساداتنا الصوفية المبرئين عن كل خصلة ردية "[شفاء العليل].

فعلى من تم التغرير به من نفسه ومن أعداء التصوف أن يتأمل ما جمعناه له بإحسان، ويسارع إلى مغفرة من ربه وجنة عرضها السماوات والأرض أُعِدَّت للمتقين بالحق.

وأن يعلم أنَّ ما يتشدق به المبتدعة من استدلال ببعض الأدلة والأخبار ليس هو إلا سراباً تحسبه كذلك حتى إذا جئته من طريق العلم الصحيح والحق المبين لم تجده شيئاً.

وليعلم أنَّ الحق لا يُعْرَفُ بأبصارٍ زائغة، وأفكارٍ تائهة، فمن أراد معرفته: فإما أن يطلبه من طريق العلم بالحق، أو ملازمة ما يُعرَف وهجر ما يُنكَر.

فإذا تجرّد المرء عما يُدَسّ ويُشاعُ على التصوف، ونظر في حقيقة التصوف الإسلامي، فإنه يجد مبتغاه: الذي به تُحفظ مروءته، ويخرج بسلامة الدنيا والآخرة.

وفي الختام: نتوجه إلى من بلغه كتابنا هذا:

أن لا تكونوا كالذين قالـوا ) سمعنا وعصينا ( وأُشربوا في قلوبهم البـدع باستكبارهم؛ فبئسما يأمرهم به إيمانهم إن كانوا مؤمنين، ) ولا تكونوا ممن قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (.

وإنما اتقوا الله وكونوا من الذين آمنوا وقالوا: ) سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (.

ولقد بيَّن الله تعالى صفةَ المؤمنين بقوله: ) إنما كان قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليَحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (، وبين ضابط الإيمان بقوله: ) إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذُكِّروا بها خَرُّوا سُجداً وسبَّحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (.

وفي هذا القدر من البيان والنصيحة لمن طلب الحق كفاية، والحمد لله تعالى على نعمته علينا بالعلم والإسلام والإيمان والهداية، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد حامل الراية، وعلى آله وصحبه وخلفائه وورثته المشمولين بالعناية.

فأقول مستعيناً بالله تعالى استعانة عبدٍ عاجزٍ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا قوة ولا حياة ولا نشورا:

قد ثبت في دين الإسلام: أن الواجب على العبد: أن لا يَحكُم على شيءٍ بكونه حقاً أو باطلاً ما لم يتحقق منه بالحقِّ ( أي من خلال الوسائل العلمية الصحيحة )، فكان لازماً على المسلم أن يسأل عن " التصوف الإسلامي "، لاسيما إن بلغه الكلام فيه، ومن ثم يتوجه إلى شيخ صوفي متحقق دون الأدعياء والمنحرفين، ويسأله:

 

 1 - 2 - 3 - 4 - 4/2 - 5

6 - 6/2 - 6/3 - 6/4 - 6/5 - 6/6 - 6/7 - 6/8 - 6/9

7 - 8 - 8/2 - 8/3 - 8/4 - 9 - 10 - 10/2 - 10/3 - 10/4

11 - 11/2 - 11/3 - 12 - 13

 

 

^Top