اسم التصوف الإسلامي

سـؤال: شيخنا العزيز؛ هلا بينتم لنا حقيقة " اسم " التصوف الإسلامي؟

جواب: اسم التصوف الإسلامي هو: " تصـوف "، مأخوذ من ( الصَـفاء ) اصطلاحاً لا اشتقاقاً؛ فإن القوم أطلقوا على ( السَّالك المتحقق ): اسم ( صوفي )؛ نِسْبَةً للفعل إلى الله تعالى، ثمّ إنهم جعلوا ذلك اسماً اشتقوا منه اسم الـ: ( تصوف ):

قال الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد (297هـ):" التصوف هو صفاء المعاملةِ مع الله تعالى "اهـ.

وقال بُنْدَارُ بن الحسين (353 هـ):" إن الصُّوفي: مَن اختاره الله لنفسه فصافاه، وعن نفْسِه برَّاه، ولم يردَّهُ إلى تعمّلٍ وتكلفٍ بدعوى.

و ( صوفي ): على زِنة عُوفي، ( أي: عافاه اللهُ )، وكُوفي، ( أي: كافأه الله )، وجُوزي، ( أي: جازاه اللهُ ). ففِعلُ الله تعالى ظاهِرٌ على اسمه "اهـ.

وقد عبَّر السابقون y بآلاف من الحدود، هي عند التحقيق أحوال وأعمال، قد خاطب بها المسؤولُ السائلَ لما فُتح عليه من حاله، بمقتضى الحكمة.

وقال بُندار بن الحُسين :" ( الصوفية ): متفقون في الوحدانية _ في الجملة _ قولاً، مُتفرّقون في الوصول إليها مُعاينةً ومُنازلةً.

وكل واحد: يستحق اسمَ ما ظهر عليه من حاله الذي هو به موصوف، بعد اتفاقهم في الوحدانية قولاً "اهـ.

وأما ما توصل إليـه بعضُ الباحثين، سعياً خلف الاشتقاق من أصل اللغة، ونحو ذلك، ككونه مشتقاً من الصوف، أو من لغة أعجميَّة: فهو مرجوحٌ أو باطل بما قدّمناه على التحقيق، سيما وقد صدق الإمام أبو عبد الرحمن السّلمي حيث قال:" ( التصوف ) حقيقة: كان حيث لم يكن لسانٌ ولا كلامٌ "اهـ.

   فـ( الصوفي ): ( مَن عَلِمَ الشَّريعةَ، وسَلَكَ الطَّريقةَ، وعَرفَ الحقيقةَ ) باعتبار الكسب، الذي عُبِّر عنه بقول بعضهم:" التّصوّف أوله علمٌ، وأوسطه عملٌ، وآخره موهبة "اهـ

والمقصود بـ( الشَّريعة ): الأحكام الشرعيّة المتعلقة بأفعال المكلّفين جِنَاناً وأركاناً.

والمقصود بـ( الطَّريقة ): الأسباب المُوصِلة إلى مكارم الأخلاق في تأدية الشريعة.

والمقصود بـ( الحقيقة ): رَوح الشَّريعة؛ التي قُصد بالتَّشريع تحقيقها، وهي المُعبَّر عنها بـ( التَّصوّف ) على التَّحقيق، المُشار إليها بـ( العُبوديَّة ) في نحو قول الله تعالى: ) بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ([الأنبياء: 26]، ) قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ([الجن:19].

وقد أشار إليها الله تعالى بقوله: ) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ([ق:22]، ) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ([الواقعة:95].

و ( الحقيقة ) تُكتَسبُ بالطَّريقة استحقاقاً؛ لِما يحصل للمُريد من رِقَّةٍ بينه وبين الأحكام الشرعيّة، وأما ( بُلوغها ) وهو: التَّصْفِيَة بها، والوِلايـة فيها، فهِبَة من الله تعـالى، كما بيَّن سبحانه بقوله: ) واتّقوا الله ويُعلِّمكم الله (؛ إذ ( العلم بالأحكام ) غير محجوب عن أحدٍ، خلافاً لروح هذه الأحكام المقصود منها، وذلك قولهم:

"عِلمُ التَّصوّف" عِلـمٌ ليس يُدركـه

إلا أخُـو فِطنـةٍ  بالحـقِّ معـروف

وكيفَ يعـرفـه  مَن ليس يَشْـهَدُه

وكيفَ يشهد ضوءَ الشَّمس مكفوفُ؟

فمن عَلِمَ الأحكام الشَّرعيّة، وأداها على أتمِّ وجهٍ؛ لتمام تحلِّيه بمكارم الأخلاق، فعَلِم حقيقتَها، ووهبه الله تعالى الولاية في العبوديَّة بها، صار صوفياً.

وأما ( الصوفي ) من جهة التحقيق، فهو: مَنْ صوفيَ بالحقيقة، وهو قولهم:

صَـفا ثمَّ صـوفي، فهو صوفيّ مخيم

على بـاب مولاه ليس عنـه براح

وأما مَن ادَّعى أنه صوفي قبل المُصَافاة، فهو على ضربين:

فإما أنه أطلقه من باب المجاز، كما ترى في آلاف العبارات المأثورة عن أئمّتنا y في الإجابة عن التّصوّف؛ حيث أطلقوا اسم التّصوّف على أحوال ومسائل متفرّقة من التّصوّف ليست هي التّصوّف على التحقيق، وهذا لا بأس عليه بذلك، وإن كان الأولى أن يُسَمَّى: ( مُتَصَوّف ).

   وإما أنه من باب الإيهام ببلوغ ذلك المقام لحظّ دُنيويٍّ!! وهذا منافق؛ لاتّصافه بالكذب، وهو قسيم ضربٍ ممن يُسَمّون ( غلاة الصّوفيّة ) وهم: المنتسبون للتّصوّف، لحظوظٍ دنيويّة، ولا يصحّ تسميته متصوّفاً فضلاً عن صوفيّاً.

 

 

 1 - 2 - 3 - 4 - 4/2 - 5

6 - 6/2 - 6/3 - 6/4 - 6/5 - 6/6 - 6/7 - 6/8 - 6/9

7 - 8 - 8/2 - 8/3 - 8/4 - 9 - 10 - 10/2 - 10/3 - 10/4

11 - 11/2 - 11/3 - 12 - 13

 

 

^Top