حَدّ التصوف الإسلامي

سـؤال: شيخنا! قد عرَّفتنا اسم التصوف الإسلامي ونشأته؛ فهلا بينت لنا حَدَّه؟

جواب: إنَّ حد " التَّصوف الإسلامي " إجمالاً: هو مجموعة الأحكام المُتَعَلِّقة بنُفُوسِ الناس تَزكيَةً؛ قال الله تعالى: ) ونَفْسٍ وما سَوَّاها % فألهمها فجورها وتقواها % قد أفلَح مَنْ زكَّاها % وقَد خابَ مَن دَسَّاها ([الشمس:7-10]، مُثْبِتاً التَّصوف: الذي يبحث في أعمـال النَّفْسِ من حيث تزكيتها، ثمَّ أوحى إلى سيدنا رسول الله محمد r: « الإحسـان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنـه يراك » مبيِّناً أنَّـه: ركن الدِّين الثالث؛ لأن الإحسان ثمرة التزكيَـة.

و ( حَدّه ) تفصيلاً: هو أعْمَالُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ الْمُوْصِلَةِ إلى حَقِيْقَةِ الإحْسَان.

فأما ( الأعمال ): فهي ما يَحْدُثُ من العَبْد.

وإضـافة الأعمال إلى ( الظاهر والباطن ): لكون حوادث العبد في ظاهره وباطنـه؛ قال الله I: ) وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنـة (.

فـ( الظاهرة ): الآداب والمعاملات، كالعبادات، والتعامل مع الناس، تحت ظل مكارم الأخلاق.

و( الباطنة ): الإيمان والأخلاق والنيات، وهي ما تبنى عليه أعمال الظاهر وتُعتبر به عند العبد وربِّه تعالى، فتحدِّد العمل أنه شكر وغبطة، أم كفر وحسد مثلاً.

وكون تلك الأعمال هي ( الموصلة ): أي: الوسيلة الصحيحة.

( إلى ): أي: حتى بلوغ الغاية من هذا الأمر، وهي:

( حقيقة الإحسان ): أي: الفناء في الله تعالى، المُعَبَّر عنه شرعاً بـ: « أن تعبد الله كأنك تراه ».

قال الله تعالى: ) إن الله يأمر بالعـدل والإحسان (، قال جبريل u وهو يسـأل سيدنا رسـول الله محمـداً r عن أركان الدّيـن:" فأخبرني عن الإحسـان؟ "، قال r: « أن تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراهُ فإنـه يراك ».

قال أبو عبد الله الرازي :" التصوف: استقامة الأحوال مع الحق "اهـ

ولله در القائل:

قوم همومُهُم بالله قد علقت
فمَطلبُ القوم مَولاهم وسَيِّدُهم

 

 

فما لهم هِممٌ تسمو إلى أحدِ
يا حُسنَ مطلبهم للواحِد الصَّمد

 

ومن بلغ ذلك المقـام العزيز، كان حقيقة المقصود والمطلوب عنده: هو الله تعالى؛ قال الله تعالى: ) ففِرُّوا إلى الله (، ) يريدون وجهه (.

فالمُتصوف: لا يتصوف طلباً لعوضٍ أو عائدٍ، بل يسعى إلى بلوغ مرتبة الإحسان، التي تبتني على تمام مكارم الأخلاق، وهو ما يتعارض مع تلك المطالب؛ لأنها دليل على عـدم التمام: كيف! وإن مِنَ الخُلُق: رؤية النعمة ونسبتها إلى أهلها؟!

وقد قال الله تعالى: ) فاستقم كما أمِرت (، وبيَّنَ حقيقةَ الأمر فقال: ) اتقوا الله ما استطعتم (، فمن قدر على عمل طولب به.

قال أبو علي الجوزجاني :" كن طالباً الاستقامَة، لا طالبَ الكرامةِ؛ فإن نفسَك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة "اهـ.

وذلك: تحقِيْقـاً لوظيفة العُبُوْدِيَّة التي خُلِقَ للقِيَـام بها، على وجـه التمام؛ فقد قال الله تعالى: ) وما خلقت الجِنَّ والإنْسَ إلا ليعبـدون (.

وعلى الجملة: فالمقصود: أن التصوف: أعمال خاصَّة يكتسبها العبد استعانة على التحقق والرشد في المعاملة، تتمثل بـ" الطّرق الصوفيَّة ".

فائـدة: ولا يُلتفت لما يظنه البعض من تحقيق آثار الطرق بغيرها من الأفعال الخيريَّة؛ لأن مَثل هؤلاء مثل القاصر: يظن أن منتهى الأمور نهايةُ إدراكه، وهو لا يعرف أنه قد يكون على أعتابها فضلاً عما فوق ذلك!!

ولئن تحقق بعض آثار الطُرُق بغيرها فلا يعني ذلك الاستغناء عنها؛ فإنها الوسيلة الصحيحة للقرب وللكمال والصفاء.

تنبيه: ومن الأخطاء الواقعة: حصر الطرق وقصرها في الأوراد وحِلق الذكر ونحو ذلك!! لأن الطُّرُقَ منهج كامل، الأوراد وغيرها وظائف منه.

 

 1 - 2 - 3 - 4 - 4/2 - 5

6 - 6/2 - 6/3 - 6/4 - 6/5 - 6/6 - 6/7 - 6/8 - 6/9

7 - 8 - 8/2 - 8/3 - 8/4 - 9 - 10 - 10/2 - 10/3 - 10/4

11 - 11/2 - 11/3 - 12 - 13

 

^Top