موضوع التصوف الإسلامي

سـؤال: شيخنا! قد تبيَّن حد التصوف الإسلامي؛ فهلا بينتم لنا موضوعه؟

جواب: موضوعه: أعمالُ الظاهرِ والباطن مِنْ حَيْث التخلية والتحلية.

فأما ( التخلية ): فالتهذيب، أي: التزكية والتصفية من مَسَاوئ الأخلاق؛ إذ الناس: قـد خُلِقوا بطبيعتهم يَقْبَلون معاني ويُقبِلون عليهـا، قد حَـدَّ فيها الشـارعُ حدوداً، لتمييز ما سَنَّ خيريَّتَه وقضـاه مقبولاً، مما سَنَّ سوءَه وقضـاه مردوداً، فيسعون من خلال ( المعرفة ) إلى الوقوف على حدِّ الشرع _ الضامن لما يُعتبر خلقاً كريماً _، فيتطهرون من السيئات، ويُبقون على الحسنات.

فائدة: والجدير بالذِّكر عند الحديث عن طبيعة الناس: أنهم يَقبلون المعاني ويُقبِلون عليها بدافع الغريزة أو الشهوة أو الهوى أو العلم، فقد يكون العبد صالحاً، ويتفاجأ من نفسه تحدثه بسوء، يشككه بصلاحه سيما وقد سـارع إليه الشيطانُ عندما بلغه ذلك، ليضله عن السبيل موهماً إيـاه بالضلال!! وليس حقيقة الأمر إلا موافقة معنى من ذلك لِداعِيه، فيتحرك في العبد طبيعةً، فليتنبه.

لذلك قال الله I: ) إن الأنسان لفي خُسْرٍ % إلا الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات وتواصَوا بالحقّ وتَوَاصَوا بالصَّبر (.

وأما ( التحلية ): فالإتمام، أي: إتمام مكارمها؛ إذ طبيعة الناس ليست تامَّة، بل فيهم النِّسبَةُ والشاهِدُ والاستعدادُ، فيسعون من خلال ( المعرفة ) إلى العمل بالمتمِّمَات.

   فتمييز خبيث الأعمال ظاهراً وباطناً من الطيب، والدليل على سبيل الطهارة منه، والتحلي بالطيبات: هو الذي يتناوله هذا العلم في موضوعه.

قال الله I: ) قـل إنما حرَّم ربي الفواحش، ما ظهر منها وما بطن (؛ قال سيدنا رسول الله محمد r: « ما أحد أغير من الله تعالى، ومن غيرته حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ».

وقال I: ) ونفس وما سواها % فألهمها فجورها وتقواها  % قد أفلح مَنْ زكاها % وقد خاب مَن دسَّاها (.

وقال I: ) إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرونَ (.

وقال سيدنا رسول الله محمد r: « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب »، « إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم »؛ وذلك: أن أعمـال الظاهر مبنية على الباطن مُعتبرة به؛ ألا ترى سيدنا رسول الله محمداً r قال: « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى »، وقد اتفقت الأمة على: أن الأمور بمقاصدها. لذلك قال الله I: ) يوم لا ينفع مال ولا بنون % إلا من أتى الله بقلب سليم (؛ من باب إطلاق السبب وإرادة المُسَبَّب، أي: إلا مَن أتى الله I وقد سَلِمَ ظاهره لسلامة باطنه.

تنبيه: وكون أعمال الظاهر مبنية على الباطن لا يعني استغناء الباطن عن الظاهر ابتداء؛ فإن سلامة الباطن تنشأ من الظاهر اكتساباً، ثم تُكوِّن مملكةَ الباطن، ألا ترى سيدنا رسول الله محمداً r يقول: « كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه .. ».

قال الإمام الجنيد :" ( التصوف ): استعمال كل خلق سَنيّ وترك كل خلق دَنِي "اهـ.

وفي رواية:" ( التصوف ): العُلوُّ إلى كل خُلُقٍ شريف، والعُدُول عن كل خُلُقٍ دنيء "اهـ.

وقال أبو حفص النيسابوري (270 هـ):" التّصوف كله آدابٌ: لكل وقت أدبٌ، ولكل مقام أدبٌ "اهـ.

واعلم أن "التصوف" خُلُقُ المُعاملة، يَعمل المتصوفُ به على أخلاقٍ فُطِر على التحكم بها غرائزياً ( وذلك ما نشير إليه بقولنا "الأخلاق القالبِيَّة " ) لتهذيبها على وفق حكم الشارع والتحكم بها قلبياً ( فتصبح ما نشير إليه بقولنا "الأخلاق القلبِيَّة" ).

فهو لا يكون تصوفاً إسلامياً ( تُهذّب فيه الأخلاق إلى صالحها ومكارمها ) إلا إن قام على أركانه الثلاثة ( الشريعة، والطريقة والحقيقة )، فالصوفي هو: ( مَن عَلِمَ الشَّريعةَ، وسَلَكَ الطَّريقةَ وعَرفَ الحقيقةَ ).

لذلك، كان منتحل مسائل التصوف دون معرفة حكمها الشرعي جاهلاً، غالبـاً ما يغرق في قذارة الزندقة؛ لأنـه لم يعرف حدود الأخلاق وضوابطها، فعمَّمهـا حيث خُصّصت، وأطلقها حيث قُيّـدت .. الخ!! فجمع بين الحق والباطل.

وحول هذا تدور كلمة الإمامين الجليلين: مالك بن أنس، وسيدي محمد بن إدريس الشافعي y في تلازم التصوف والفقه:

قال الإمام مالك (179 هـ):" من تفقه ولم يتصوف فقد تفسَّق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق "اهـ.

وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 - 204):

فقيهاً وصوفيـاً فكن  ليس واحـداً

فإنـي _ وحق الله_ إيـاك أنـصحُ

فذلك قـاسٍ؛ لـم يَذُق قلبُـهُ تُقىً

وهذا جَهُولٌ، كيف ذو الجَهل يَصْلُحُ

فجزى الله تعالى الإمامين الجليلين y خير الجزاء على ذلك التنبيه الذي لا ينحصر في المنتمي إلى التصوف بالاسم فحسب، بل لكل متخلق؛ إذ بات يُشار للخُلقِ بـ( التصوف ) سيما في ذلك الزمان.

 

 

 1 - 2 - 3 - 4 - 4/2 - 5

6 - 6/2 - 6/3 - 6/4 - 6/5 - 6/6 - 6/7 - 6/8 - 6/9

7 - 8 - 8/2 - 8/3 - 8/4 - 9 - 10 - 10/2 - 10/3 - 10/4

11 - 11/2 - 11/3 - 12 - 13

 

^Top