مسائل التصوف الإسلامي

سـؤال: شيخنا المبارك؛ ثمة مصطلحات عند الصوفية y كلفظ "الاتحاد" و "الاتصال" وكذا "الفناء" قد فهمها البعض على معان كفرية! فهلا أوضحتم لنا المراد منها عند السادة الصوفية y؟

جواب: لا ريب أن قوماً لا علم ولا خلاق لهم حملوا ما تشابه من مصطلحات علم التصوف على وجوهها المتشابهة ابتغاء الفتنة وابتغاء التحريف!! نحو حملهم لفظ " الاتحاد " الموضوع في التصوف للدلالة على " الاتحاد العقليّ الموجب غفلة العبد عن الشعور بجملته شغلاً عنها بشهود مَعْبُوْده I " على ما وُضِع له في العقيدة من معنى منكر باتفاق! واستغلوا تصريح الصوفية بلفظه وثنائهم عليه إجمالاً للطعن بهم: بزعم أن المقصود هو ذلك الاتحاد المُنكر!! وأن الكَيْنُونَة كينونةً ذاتيَّةً حقيقيَّةً في الخارج!! فضَلُّوا وأضلّوا.

فالذي يسمّيه السَّادة الصُّوفيَّة y اتحاداً، إنما يريدون به: الاتحاد العقلي، الذي لا نسبة بينه وبين الاتحاد الحقيقي في الخارج، وحدُّه عندهم: اتحاد عقليّ يوجب غفلة العبد عن الشعور بجملته شغلاً عنها بشهود مَعْبُوْده.

وأما تعبير السادة الصوفية y بـ( الاتصال ): فمعناه عندهم y: الانفصال بالسِّرِّ عما سوى الله I، فلا يشتغل العبدُ إلا به Y. فهو مقامٌ للصـفاء، وليس كما يروج المبتدعة ممن ينتسبون إلى التصوف الإسلامي أو خصومه: أنه اتصـال ذات بذات!! والعياذ بالله I.

وكذا ( الفناء ): إنما معناه عندهم: انقطاع الحظوظ عما سوى الله I، فيفنى العبد عن الأشياء كلها شغلاً به Y. وليس كما يدعي هؤلاء المبتدعة: أنه الاتحـاد الحقيقي!! والعياذ بالله I من هذا الإلحاد.

قال العلامة السيوطي في "الحاوي للفتاوى" تحت عنوان "تنزيه الإعتقاد عن الحلول والإتحاد":" قال صاحب معيار المريدين أبو محمد عبد الله بن محمـد النوري (ت591): واعلم أنـه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ "الاتحاد" إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد؛ فإن الاتحاد عندهم: هو المبالغة في التوحيد، والتوحيد: معرفة الواحد والأحد، فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشـاراتهم فحملوه على غير محمله فغلطوا وهلكوا بذلك!

والدليل على بطلان اتحـاد العبد مع الله تعالى: أن الاتحاد بين مربوبين محـال؛ فإن رجلين مثلاً لا يصير أحدهما عين الآخر لتباينهما في ذاتيهما كمـا هو معلوم، فالتباين بين العبد والرب I أعظم، فإذن: أصـل الاتحـاد باطل محـال مردود شرعاً وعقلاً وعرفاً بإجماع الأنبياء والأولياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين.

وليس هذا مذهب الصوفية، وإنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعـالى، فشابهوا بهذا القولِ النصارى الذين قالوا في عيسى u اتحد ناسوته بلاهوته.

وأما من حفظه الله تعالى بالعناية: فإنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولاً، وإن وقع منهم لفظ "الاتحاد" فإنما يريدون به: محو أنفسهم وإثبات الحق سبحانه.

قال: وقد يذكر "الاتحاد" بمعنى: فناء المخالفات وبقاء الموافقات وفناء حظوظ النفس من الدنيا وبقاء الرغبة في الآخرة، وفناء الأوصاف الذميمة وبقاء الأوصاف الحميدة، وفناء الشك وبقاء اليقين، وفناء الغفلة وبقاء الذكر ..

وأما قول أبي يزيد البسطامي "سبحاني ما أعظم شاني": فهو في معرض الحكاية عن الله، وكذلك قول من قال "أنا الحق": محمول على الحكاية.

ولا يظن بهؤلاء العارفين "الحلول والاتحاد"؛ لأن ذلك غير مظنون بعاقل، فضـلاً عن المتميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات، ولا يظن بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهـدة وحفظ حدود الشرع "الغلط بالحلول والاتحاد" كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى u، وإنما حدث ذلك في الإسلام من واقعات جهلة المتصوفة، وأما العلماء العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك _ هذا كله من كلام معيار المريدين بلفظه _.

والحاصل: أن لفظ "الاتحاد" مشترك: فيطلق على المعنى المذموم الذي هو أخـو الحلول وهو كفـر، ويطلق على مقام الفناء اصطلاحاً _ اصطلح عليه الصوفية _ ولا مشاحة في الاصطلاح؛ إذ لا يمنع أحـد من اسـتعمال لفظ في معنى صحيح لا محذور فيه شرعاً، ولو كان ذلك ممنوعاً لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ الاتحاد وأنت تقول: بيني وبين صاحبي زيد اتحاد، وكم استعمل المحدثون والفقهاء والنحاة وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية كقول المحدثين: اتحاد مخرج الحديث، وقول الفقهاء: اتحد نوع الماشية وقول النحاة: اتحد العامل لفظاً أو معنى، وحيث وقع لفظ "الاتحاد" من محققي الصوفية فإنما يريدون به :معنى الفناء الذي هو محو النفس وإثبات الأمر كله لله سبحانه، لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد .. "اهـ[الحاوي للفتاوى ط3 :2/242-244].

ويقول الإمام الشعراني :" ولعمري إِذا كان عُبَّاد الأوثان لم يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله؛ بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله زلفى، فكيف يُظَن بأوليـاء الله تعالى أنهم يدَّعون الاتحاد بالحق على حدٌّ ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم y، إِذ ما مِن وليٌّ إِلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن الله بكل شيء محيط "[اليواقيت والجواهر:1/83].

وقال بعض الكبراء:" من قال بالحلول فهو معلول، فإِن القول بالحلول مرض لا يزول، وما قال بالاتحاد إِلا أهل الإِلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول "اهـ

وسئل الإمام ابن حجر الهيتمي t: ما معنى قول الحلاج: أنا الحق، وقول أبي يزيد: سُبحاني سبحاني؟ فأجاب بقوله:" للعارفين y ونفعنـا بعلومهم وأسرارهم ولحظاتهم أوقات يغلب عليهم فيها شهود الحق تعالى بعين العلم والبصيرة، فإذا تم لهم ذلك الشهود ذهلوا حتى عن نفوسهم ولم يبق لهـم شعور بغير الحق تعالى، فحينئذ يتكلمون على لسان القرب الأقدس الذي منحوه؛ المشار إليه بقوله تعـالى: ) فإذا أحببته صرت سمعه وعينه ويده ورجله ( الحديث ويثبتون لأنفسهم بطريق الإيهام لا بطريق الحقيقة ما أثبته الحق لنفسه لا بمعنى الإتحاد الذي هو عين الكفر والإلحاد وحاشاهم الله عنه بل بمعنى اتحاد الشهود الذي صير الحكم ليس إلا لذات الحق تعالى وتقدس، فقوله ( أنا الحق أو سبحاني )، معناه قد تجلى علي الحق بشهوده حتى صرت كأني هو، وهذا كله إن صدر عنه في حالة الصحو، وأما إذا صدر عنهم ذلك في حالة الغيبة فهو من الشطحات التي لا حكم لهـا إذ لا يحكم إلا على ما تلفظ به صاحبه في حال الصحو والاختيار، وأما ما تلفظ به في حيز الصحو والغيبة فلا يدار عليه حكم ألبتـة، ومن ذلك أيضا قول أبي يزيد ( ما في الجبة غير الله )، فإن كان في حال الصحو كان معناه مثل ما مر أو لا وإلا فلا معنى له فلا يدار عليه حكم، والله أعلم "[الفتاوي الحديثية:701].

 

 

 1 - 2 - 3 - 4 - 4/2 - 5

6 - 6/2 - 6/3 - 6/4 - 6/5 - 6/6 - 6/7 - 6/8 - 6/9

7 - 8 - 8/2 - 8/3 - 8/4 - 9 - 10 - 10/2 - 10/3 - 10/4

11 - 11/2 - 11/3 - 12 - 13

 

^Top