مسائل التصوف الإسلامي

سـؤال: فما رأيكم فيما يُنسب للتصوف من عقائد منكرة وألفاظ مُسْتَشْنَعَة؟

جواب: اعلم! أن التصـوف يبحث في سلوك العباد، لا في العقيدة والفقه، وأنه لا يكون حقاً إلا إذا قام على العقيدة الإيمانية والفقه الشرعي الصحيحان مستقيماً.

فمن ثبت أنـه على عقيدة منكرة فليس هو صوفياً إسلامياً بحق، ولن ينفعه أخلاقه ولا شيء من أعماله، ولا يوجد مثل هذا إلا بين المبتدعة الأدعياء، هداهم الله تعالى.

وإن التصوف الإسلامي الحقَّ لا يتأثر بمثل هؤلاء، كما لا يلزم من وجودهم الانصراف عن التصوف واتهامه بالكلية بما عندهم؛ كما لا يتأثر نفس دين الإسلام عموماً بالمبتدعة والفرق الضالة، ولا يلزم الانصراف عنه لوجودهم.

وأما ما اشتهر من نحو قول الصوفية بالاتحاد، أو قول بعضهم " ما في الجبة إلا الله تعالى"!

فاعلم أن طالب العلم والحق، الباحث عن الحكمة والاستقامة لا ينبغي أن يطالع الشيء بغير حدوده، فلا يطالع العقيدة بحدود الفقه أو التصوف أو شيء من سائر العلوم، ولا العكس في الجميع.

وعليه: فإذا وقف على نكارة " الاتحاد " في العقيدة، علم أن المنكر ما عُرِفَ بالاتحاد في هذا العلم لا نفس اللفظ، ومن ثم لا يستنكره إذا وقف عليه في الفقه أو التصوف أو شيء من سائر العلوم إلا إذا كان المُعَرَّف به منكراً في دين الله تعالى.

وإذا وقف على نحو قول " ما في الجبة إلا الله "! نظر:

فإن كان القول في العقيدة: فإن كان من باب الاتحاد والحلول علم أنه قول منكر، وإن كان من بابٍ يحتمل هذا التعبير: كما في قول الله تعـالى: ) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ([الأنفال:17]، علم أنـه قول إيمـاني وعمل على تأويله.

وإن كان من التصوف: علم ابتداءً: أن مقاصد الصوفية y فيما يُتَوَهَّم منه مخالفة العقيدة الشرعية أو الأصول المرعية معنوية لا حقيقية، لأن أمرهم لا يستقيم إلا على الحق، ثم إن كان من باب الفناء بالله تعالى ( حيث يصبح العبد خالصا بالكلية لله تعالى ) علم أن المقصود بهذا القول: أن كل ما كنفته هذه الجبة خالص لله تعالى وحده، ولا حظ لسواه فيه .. الخ.

ولا ينبغي على طالب الحق أن يغفـل عن وجـوب إحسان الظن بكل مسلم ( أظهر الإسلام )، وذلك يوجب البحث له عن العذر، ولو كـان التوقف فيما قاله لعدم معرفة مقصوده إن تبين لنا صحة اعتقاده فيما يشتبه علينـا في العقيدة .. الخ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

تنبيه: مما لا ريب فيه أن السادة الصوفية y على اعتقاد أهل السنة والجماعة، وأن التصوف إنما كان وسيلة تحقيق السعادة: لأنه يمثِّل آلية تزكية النفوس وتحليتها بمكارم الأخلاق في العبادات والمعاملات الظاهرة والباطنة.

قال الإمام عبد القاهر البغدادي في سياق بيانه لأصناف أهل السنة:" هذا الباب في بيان أصناف أهل السنة والجماعة، اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس .. ثم أخذ ببيان هذه الأصناف، إلى أن قال:

والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا واختبروا فاعتبروا، ورضـوا بالمقدور وقنعوا بالميسور، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك مسؤول عن الخير والشر، ومحاسب على مثاقيل الذر، فأعدوا خير الاعتداد ليوم المعاد، وجرى كلامهم فى طريقى العبارة والاشـارة على سمت اهل الحديث دون من يشترى لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء ولا يتركونه حياء، دينهم التوحيـد ونفى التشبيه، ومذهبهم التفويض الى الله تعالى والتوكل عليه والتسليم لأمره، والقنـاعة بما رزقوا،والإعراض عن الاعتراض عليه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .. "[الفرق بين الفرق:1-303].

وقال حجة الإسلام الإمـام الغزالي :" أني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق؛ بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.

وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريقة، طهارتها _ وهي أول شروطها _ تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟! .. "[المنقذ من الضلال:127].

وقال الإمـام الكبير أبو المظفر الاسفراييني في سياق تعداده لمفاخر أهـل السنة والجماعة ومآثرهم:" وسادسها: علم التصوف والإشـارات، وما لهم فيها من الدقائق والحقائق، لم يكن قط لأحد من أهـل البدعة فيه حظ، بل كانوا محرومين مما فيه من الراحة والحلاوة والسكينة والطمأنينة، وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي من مشايخهم _ يعني الصوفية _ قريبا من ألف، وجمع إشاراتهم وأحاديثهم، ولم يوجد في جملتهم قط من ينسب إلى شيء من بدع القدرية والروافض والخوارج، وكيف يتصور فيهم من هؤلاء وكلامهم يـدور على التسـليم والتفويض والتبري من النفس والتوحيـد بالخلق والمشئية، وأهل البدع ينسبون الفعل والمشيئة والخلق والتقدير إلى أنفسهم وذلك بمعـزل عما عليه أهل الحقائق من التسليم والتوحيد "[التبصير في الدين:192].

فانظر كيف لم يجعل للمبتدعة نصيبا من التصوف وقصره على أهل الحق، فهـل هذا يستقيم مع إطلاق الذم فيهم وجعلهم أصل كل بليـة؟!

ومن قبلهم قال الإمام القشيري :" جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسـلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره واختصهم من بين الأمـة بطوابع أنواره، فهم الغياث للخلق والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق "[الرسالة القشيرية:36].

فعلى من تم التغرير به من نفسه ومن أعداء التصوف:

أن يتأمل ما قدمناه له بإحسان، ويسارع إلى مغفرة من ربه وجنة عرضها السماوات والأرض أُعِدَّت للمتقين بالحق.

وأن يعلم:

أنَّ ما يتشدق به المبتدعة من استدلال ببعض الأدلة والأخبار ليس هو إلا سراباً تحسبه كذلك حتى إذا جئته من طريق العلم الصحيح والحق المبين لم تجده شيئاً.

وأنَّ العقل وعاء العلم وآلة التقرير، فلا ينبغي التسليم لعقلٍ لم ينل علومَه من الطُّرق الصحيحة، فضلاً عن عقل متطفلٍ على العلوم.

وأنَّ الحق لا يُعْرَفُ بأبصارٍ زائغة، وأفكارٍ تائهة، فمن أراد معرفته: فإما أن يطلبه من طريق العلم بالحق، أو ملازمة ما يُعرَف وهجر ما يُنكَر. ولا يُعرف مثل منهج يبين أحكام العقيدة والفقه والتصـوف الإسلامي قد قرَّره علمـاء ثبتت إمامتهم وهداهم وضبطت وحققت مذاهبهم المستنبطة من الكتـاب والسنة بالحق وتبعهم على ذلك آلاف من الأئمـة والعلماء الصالحين في خير القرون وما تلاهـا. فاليقيـن: أن يُتَّبـع ذلك المنهج دون ما شذَّ عنه مما انتسب إليه أو نُسِب.

وأنَّ التصوف لا يستقيم لعبد بلا عقل؛ إذ هو وإن كان لإصلاح القلوب لتأثيرها على صلاح كافة الأعمال، إلا أنه لا يقوى على المجاهدة لإصلاحها وحفظها بلا عقل راشد بالعلم الصحيح، فلا يذوق حلاوة الإسلام وأعماله بحق إلا من صلح ظاهره وباطنه علماً وعملاً.

فلا يصلح القلب حقيقةً بالبدعة وصحبةِ أهلها، فضلاً عن امتلائه بمكارم الأخلاق، وإنما بملازمة الاتباع وهجر الابتداع وصحبة الصالحين وهجر المبتدعين.

وجماع ذلك: في اتباع العارفين من الصوفية y بحق.

والحمد لله رب العالمين.

 

 1 - 2 - 3 - 4 - 4/2 - 5

6 - 6/2 - 6/3 - 6/4 - 6/5 - 6/6 - 6/7 - 6/8 - 6/9

7 - 8 - 8/2 - 8/3 - 8/4 - 9 - 10 - 10/2 - 10/3 - 10/4

11 - 11/2 - 11/3 - 12 - 13

 

^Top