خاتمة زكيَّة

في هويَّة التصوف والصُّوفيَّة

 وهي فتوى مسطورة في كتاب ( الفتاوى النورانية / جـ(1) )


السؤال:"

بسم الله الرحمن الرحيم

شيخنا الفاضل طارق بن محمد السعدي - وفقك الله لما يحبه ويرضاه -، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فضيلة الشيخ، أحب أن أعرف عن (هوية الصوفية) - بارك الله فيك -؟ وإنني أعلم أن نشأتها نشأة صالحة؛ فيها الرقي بالروح والنفس عن سفاسف الأمور، ولكن هناك من دخل في مسمى الصوفية فشانوا هذه الطريقة السامية بالخرافات، وليتك تتكلم عن هؤلاء الذين شانوا سمعة الصوفية؟ ..

وجزاكم الله خيراً، وتقبلوا فائق التقدير والإجلال "اهـ

*****************************

الجواب:"

حبيبي، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فالذي أريدك أن تضيفه إلى معرفتك:  --


61

أن ( التَّصوّف ) ركنٌ الدين الثالث، وهو: ( الإحسان )، أُحْدِث له اسمٌ واصطلاحٌ كما هو شأن الرُّكنين الآخرين وسائر العلوم، وضُبطت مبادئه وطُرُقه.

وليس هو فرقة أو ما شابه، غير أنه لما كان العمل به على مراتب، تميّز العاملون بأعلاها من بين الناس فصاروا كالفرقة المستقلة؛ فهم كذلك من جهة اختصاصهم بذلك المقام، لا من جهة افتراقهم عن الحقِّ.

وأن ( نشأة التَّصَوّف ) أُحْدِثَت بنشأة التكليف؛ لأنه روح التوحيد والشرائع، ووجهها الحقيقي التام؛ قال الله : { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد }

لذلك: قال الإمام مالك :" من تفقه ولم  يتصوف فقد تفسق، ومن تصوّف ولم يتفقّه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقّق "اهـ

وقال ناصر السُّنَّةِ سيدي الإمام الشافعي :

وقال الإمام أحمد بن حنبل :" لا أعلم على وجه الأرض أقواماً أفضل منهم "اهـ [ يعني: الصوفية ].

فإن علمت هذا، فاعلم: أن ( التَّصوُّف ) لما كان على ما --


62

أخبرتك، تدافع عليه من الناس - غير أهله - ضربان:

1/ ضرب: علموا: أن مدار ما بُعِث به سيدنا رسول الله محمد على ( مكارم الأخلاق )، كما صرَّح هو بذلك في قوله:" إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق "، وفي رواية:" لأتمم مكارم الأخلاق "، ثم قال:" إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أحسابكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه، وأما أنتم بنو آدم فأحبكم إلي أتقاكم "، وقوله:" إذا طاب قلب المرء طاب جسده، وإذا خبث القلب خبث الجسد "، وكان من دعائه:" اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا "؛ وفي الخبر:" اعْلَمُوا أنَّ الله تَعالى لا يَسْتَجِيبُ دُعاءَ مِنْ قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ ". ..

فأرادوا تشويه صورة ذلك العِلم الموسوم بـ( التصوف ) المُوصِل إلى التَّحلي بمكارم الأخلاق؛ لفتنة الناس عنه؛ لأنه مصدر الخطر على مصالحهم.

فانخرطوا بين أهله، ودسّوا عليهم وبين السالكين من العامة والمريدين خُزعبلات وبدعاً ما أنزل الله تعالى بها من سلطان.  --


63

وقد أصابت سهامهم بعض الخلق فضيَّعتهم، إلا من رحم الله تعالى. حتى أن الإمام أحمد أصيب ببعض ذلك في بدايته، فكان يقول لولده:" يا ولدي، عليك بالحديث، وإياك وهؤلاء الذين يسَمُّوْن أنفسهم ( صوفية )؛ فإنه ربما كان أحدُهم جاهلاً بأحكام دينه "اهـ

فلما صَحِب بعضَ علمائهم وعرفَ أحوالَهم قال لولده:" يا ولدي، عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العِلم والمُراقبة والخشية والزهد وعلوِّ الهِمَّة "اهـ

ثم قال ما نقلناه سابقاً.

وذلك: أن ( التصوف ) يبتدئ من الشَّرع وينتهي إليه؛ لأن التَّصوّف: ( مكارم الأخلاق )، وعدم معرفة الشَّرع ابتداءً وتحقيق مقاصده انتهاء يحول دون تحقيقها؛ إذ هو الدَّليلُ عليها.

لذلك قال سيدي الإمام الجنيد :" عِلمُنا هذا مقيّدٌ بالكتاب والسنة "اهـ

وقال الإمام أحمد الخراز :" كلّ باطن يخالفه ظاهر فهو باطل "اهـ

قلت: وقوله: ( باطن ) يعني: تأويل للنصِّ؛ بأنْ بيّن معناه العلميِّ ـ هو: العلم المستفاد من النصِّ -، أو الفعليِّ – هو:    --


64

الفعل المستفاد من النصِّ -. وقوله: ( ظاهر ): يعني: مآل النصِّ.

وقال الإمام سري السقطي :" المتصوف لا يتكلم بباطن في علم ينقضُه عليه ظاهر الكتاب والسنة "اهـ

وعلى هذا: فمن ادَّعى علماً أو فعلاً مخالفاً للشرع، ثمَّ انتسب إلى التصوف، فهو كذاب، والتصوف بريء منه.

وهذا الضَّرب من الناس: قد يكون دافعهم: النِّفاق المحقَّق، أو الفجور الناتج عن العصبيَّة والجهل.

وهو المُشار إليه بخبر:" شر الناس: فاسقٌ قرأ كتاب الله وتفقه في دين الله، ثم بذل نفسَه لفاجرٍ إذا نشط  تفكه بقراءته ومحادثته فيطبع الله على قلب القائل والمستمع ".

2/ والضرب الثاني: على ثلاثة أقسام:

الأول: ( جاهلون )، وهم: قوم من المريدين جهلوا مقاصد الصوفيين، فأطلقوا المقيَّد وعمموا الخاص وخلطوا بين المسائل، معتذرين عن المشكلات بأنهم لم يفهموا مقاصدها!!

فأفضوا إلى بدع ومفاسد مردودة، قضت بضلالهم والعياذ بالله تعالى.  --


65

والثاني: ( مُضَلَّلُون )، وهم: قومٌ أُصِيبوا بسِهام الضَّرب الأول، فدعوا لما تلقوا عنهم من البدع على أنه التصوف، والتَمَسُوا عُذر القِسم الأول فيما أشكل عليهم!!

فضَلُّوا والعياذ بالله تعالى.

والثالث: ( سَمَّاعون )، وهم: قومٌ أرادوا السُّمعة، فقبضوا قبضة من أثر التَّصَوُّف، وزعموا لأنفسهم ما قبضوه مستغلين الآداب المطلوبة من المريدين!!

فضلُّوا وأضلُّوا والعياذ بالله تعالى.

وأما من كان مع ذلك يُدرج ما يحلوا له من البدع، فهو من الضَّرب الأول، وخَلَفُ السَّامري الذي بَصُرَ بِمَا لَمْ يَبْصُرْ بني إسرائيل بِهِ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ سيدنا موسى فَنَبَذَهَا، وقد سَوَّلت له نفسُه أن يُخْرِجَ لبني إسرائيل عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ، ويزعم أنه إِلَههم وإلَهُ مُوسَى!! فَضَلَّ وأضَلَّ مِن بني إسرائيلَ قوماً حتى ما سمعوا نصيحة سيدنا هارون  إذ قال لهم: يا قوم إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ، فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي. وقَالُوا له: لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى!! لقوة شبهة السَّامري!!

واعلم أن هذين الضربين تجدهما في غير التصوف من --


66

العلوم، بل قد ابتُلِينا في العقيدة بقومٍ ينعتون أنفسَهم [ بأسماءٍ طيبةٍ، بل منها أسماء لأهل الحق أنفسِهم ]، لإحكام شبهتهم على التابعين والسَّامعين، وتجدهم عند التحقيق حشويَّة سامريِّين؛ إذ حرَّفوا الكَلِمَ عن مواضعه، ليُثبتوا الحجَّة على ما سَوَّلت لهم أنفسُهم: أن يُخرجوا للأمَّة شيئاً جسداً، يزعمون أنه إلهها وإله الأنبياء والرُّسل والعالمين!! فضلوا وأضلوا بعض من ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ممن تجنَّدوا لنصرة مذهبهم وضلوا خلفهم.

هذا، واعلم حبيبي: أن قوماً نظروا إلى ( التَّصوُّف ) من خلال بدع الضَّربين المتقدِّمين وآثارها، فشوَّهوا صورته، وزعموا أنه ليس من ديننا في شيء!!

وهم قسمان:

 الأول: ( متشبِّعون ) وهم قوم اكتفوا بالنظر في تلك البدع، وتكلموا بلسان التَّحقِيق!! لسبب هو في الغالب: نشأتهم في بيئة القسم الثاني الآتي ذكره.

الثاني: ( بَهَّاتون ) وهم قوم من المبتدعة الحاقدين على التصوف وأهله، وهم نوعان:

النوع الأول: أتباع الضرب الأول، وهؤلاء يَكشفون الحكم الشَّـرعي للبدع التي حشوها ودسوها على التصوف  --


67

والصوفية، على أنها هي ذلك، مع علمهم بأنها ليست كذلك.

النوع الثاني: ثمرة النوع الأول، وهم مَنْ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فينتصرون لما تلقوه من هؤلاء، لظنهم أنه الحق!!

وهذان القسمان - على ما لبعضهم من الأعذار - لا يَسْلَمَا مِن حكم الشارع فيمن سعى في الأرض فساداً: بالكذب والبهتان والفتنة، فضلاً عن إيذان الله تعالى لهم بالحرب لتعرُّضهم لأوليائه بالأذى، ورجوع الحكم المُطْلَق في البريء منه على المُطْلِق؛ فإن كان كفراً فقد كفر، وإن كان غير ذلك فبِحَسَبه.

وعليه: فهؤلاء المبتدعة ما شانوا ( التصوف )، وإنما شانوا أنفسهم، أو مَن ينتسبون إليه من العلماء الصوفيّة الصالحين البريئين منهم أجمعين، وسينتقم الله تعالى لهم إن شاء، وهو أحكم الحاكمين.

وأما قولك: ( وغيرهم من أهل العلو والتفكر )، يُغْنِي عنه لو قلت: ( الصوفية )؛ لأن ( الصوفي ) هو: الجامع بين الشريعة والطَّريقة والحقيقة.  --


68

 خلافاً لـ( المُتَصَوِّف )، وهو: المُريد السَّاعي للجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة "اهـ

 

العبد الفقير المقر بالعجز والتقصير

أبو طه طارق بن محمد السعدي / الحسني

 

69