فصل

اسم التصوف الإسلامي

فـ( اسمه ): تصوف، من ( الصَفاء )، اصطلاحاً لا اشتقاقاً؛ فإن القوم أطلقوا على ( السَّالك المتحقق ): اسم ( صوفي )؛ نِسْبَةً للفعل إلى الله ، ثمّ إنهم جعلوا ذلك اسماً اشتقوا منه اسم الـ: ( تصوف ).

قال سيد الطائفة: الإمام  أبو القاسم الجنيد بن محمد (297 هـ):" التصوف: هو صفاء المعاملةِ مع الله تعالى "اهـ

قال بُنْدَارُ بن الحسين (353 هـ):" إن الصُّوفي: مَن اختاره الله لنفسه فصافاه، وعن نفْسِه برَّاه، ولم يردَّهُ إلى تعمّلٍ وتكلفٍ بدعوى.

و( صوفي ): على زِنة عُوفي، ( أي: عافاه اللهُ )، وكُوفي، ( أي: كافأه الله )، وجُوزي، ( أي: جازاه اللهُ ). ففِعلُ الله تعالى ظاهِرٌ على اسمه "اهـ

وقال - أيضاً -:" الـ( صوفي ): على وزن ( عُوْفِي ) أي: صُوفِيَ عن جميع ما له بِمَا وَرَدَ من الحق عليه من بوادي الأنوار "اهـ --


11

وقال الإمام أبو عبد الرحمن السُّلمي (412 هـ):" إذا صَفَى المريدُ في إرادته، صُوْفي في صَفَائه، فَسُمِّي: صوفياً "اهـ

وقال أبو حمزة الخراساني (290 هـ):" الصوفي: مَن صُفِّيَ مِن كل دَرَن، فلم يبق فيه وسخُ المُخالفات بحال "اهـ

وقال الإمام أبو بكر الشّبلي (334 هـ):" الأرواح تلطفت، فتعلقت عند لذعات الحقيقة، فلم تر غير الحقّ معبوداً يستحق العبادة، فأيقنت أن المُحْدَثَ لا يُدرك القَديمَ بصفاتٍ معلولة، فإذا صَفَّاه الحَقُّ أوصَلَه إليه، فيكون الحقُّ أوصله إليه، لا وَصَل هو "اهـ

قال الإمام أبو بكر البغدادي :" الصوفي: هو الخارج عن النعوت والرسوم، وصفاء الصوفي عن النعوت والرسوم ألزمه اسم: ( التصوف )، فصُفِّيَ عن ممازجة الأكوان كلها بمُصافاة مَنْ صافاه – في الأزل – بالأنوار والمَبَارّ "اهـ

وقال أبو بكر البغدادي :" التصوف: صفوة الأحوال، فمن صفي في أحواله، وأخذ من كل صفوته، فهو: صوفي.

والتصوف: الأخذ من كل صافٍ في الأحوال والأخلاق والأفعال أصفاه "اهـ

وقال أحدُ الكُبراء :" لفظ الـ( تصوف ): أربعة أحرف: ( تاء )؛ من التوبة، و( صاد )؛ من الصَّفاء، و( واو )؛ من --


12

الوِلاية، و( فاء )؛ من الفناء "اهـ. وهذا معنى ( المُصافاة ) على التحقيق، فمرده إلى ما تقدَّم، وليس معنى آخر. 

وقد عبر السابقون بآلاف من الحدود، هي عند التحقيق: أحوال وأعمال، قد خاطب بها المسؤولُ السائلَ لما فُتح عليه من حاله، بمقتضى الحكمة.

قال بُندار بن الحُسين :" ( الصوفية ): متفقون في الوحدانية - في الجملة - قولاً، مُتفرّقون في الوصول إليها مُعاينةً ومُنازلةً.

وكل واحد: يستحق اسمَ ما ظهر عليه من حاله الذي هو به موصوف، بعد اتفاقهم في الوحدانية قولاً "اهـ.

وأما ما توصل إليه بعضُ الباحثين، سعياً خلف الاشتقاق من أصل اللغة، ونحو ذلك، ككونه مشتقاً من الصوف، أو من لغة أعجميَّة: فهو مرجوحٌ أو باطل بما قدّمناه على التحقيق، سيما وقد صدق الإمام  أبو عبد الرحمن السّلمي ، حيث قال:" ( التصوف ) حقيقة: كان حيث لم يكن لسانٌ ولا كلامٌ "اهـ.

وقد أُحْدَثَ اسمَ ( تصوف ): المتصوفة في عهد التابعين أو تابعي التابعين ، بينما عبَّر عنه الشرع بـ: (الإحسان )، --


13

كما عبَّر عنه السابقون بـ: ( الزهد )، وآخرون بـ( الفَقْر )، وآخرون بـ: ( الباطن ) - وهو غير ( فرقة الباطنية الملحدة بالله ) -، ويُعبر عنه البعضُ حتى زماننا هذا بـ: ( الآداب ) و: ( الأخلاق )، وبعض ما تقدم.

سئل أحمد بن الجلاء : ما معنى ( صوفي )؟! فقال:" لا نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف فقيراً مجرداً من الأسباب، كان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه الحق سبحانه من علم كل مكان، فسُمي: ( صوفياً ) "اهـ

وسُئل الإمام أبو الحسن البُوشَنْجِيُّ (348 هـ) عن التصوف؟ فقال:" اسمٌ ولا حقيقة، وقد كان قبلُ حقيقةً ولا اسم "اهـ، في إشارة إلى التفريط الذي كان قد أحدث في زمانه، ومقارنة له بعمل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .

ولا شك أنه: لا مشاح في الاصطلاح، وقد أحدث غيرهم أسماء لما اختصوا به من العلوم، كالـ( عقيدة ) للإيمان.

وعليه، فما يتشدق به المبتدعةُ الذين يَدُورون حول اشتقاق اسم ( تصوف )، أو وُرُوْدِه على لسان الشارع، ثم يُغررون العوام به: ساقط لا اعتبار له، ولا يزيد عن كونه دليلاً على عمى هؤلاء واتباعهم أهواءهم؛ إذ لا يُتابعون ما --


14

ينكرونه، ليروا أعَلَى حق هم أم على سواه؟! علماً بأن الواجب على العبد: أن لا يحكم على شيءٍ لم يتحقق منه بالحقِّ، بكونه حقاً أو باطلاً. فلا حول ولا وقوة إلا بالله سبحانه وتعالى. 

تنبيه: وقد فصَّلت حُكم َعدم فعل الشارع لعين الأمر في غير هذا الموضع - ولله الحمد -، فليراجعه الطالب.

 

15