فصل

حَدّ التصوف الإسلامي

و( حَدّه ): أعْمَالُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ الْمُوْصِلَةِ إلى حَقِيْقَةِ الإحْسَان.

فأما ( الأعمال ): فهي ما يَحْدُثُ من العَبْد.

وإضافة الأعمال إلى (الظاهر والباطن ): لكون حوادث العبد في ظاهره وباطنه؛ قال الله : { وأسبَغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة }:

فـ( الظاهرة ): الآداب والمعاملات ، كالعبادات، والتعامل مع الناس، تحت ظل مكارم الأخلاق.

و( الباطنة ): الإيمان والأخلاق والنيات ، وهي ما تبنى عليه أعمال الظاهر وتُعتبر به عند العبد وربِّه ، فتحدِّد العمل أنه شكر وغبطة، أم كفر وحسد مثلاً.

وكون تلك الأعمال هي  ( الموصلة ): أي: الوسيلة الصحيحة.

( إلى ): أي: حتى بلوغ الغاية من هذا الأمر، وهي:

( حقيقة الإحسان ): أي: الفناء في الله ، المُعَبَّر عنه شرعاً بـ: { أن تعبد الله كأنك تراه }. --


16

قال الله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان }، قال جبريل وهو يسأل سيدنا رسول الله محمد عن أركان الدّين:" فأخبرني عن الإحسان؟ "، قال : { أن تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك }.

أخبرني سيدي وأستاذي حضرة الشيخ إبراهيم غنيم ، قال:" الذي فهمته من ساداتنا: أن ( التصوف ) هو العمل بالشرع على هذا الإحسان "اهـ.

لطيفة: وقول الله : { بالعدل والإحسان }: إشارة إلى مرتَبَتي القَبُول؛ فإن العدل: تنفيذ العبدِ الشَّرعَ، والإحسان: ما حدَّه سيدنا رسول الله محمد ، وهو التمام.

وقال الله : { واعبد ربَّك حتى يأتيك اليقين }، أي: حتى تبلغ حقيقة الإحسان، وتلقى الله تعالى عليها، أو على طلبها.

وقال : { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له }، قال سيدنا رسول الله محمد : { أسلمت نفسي إليك، وفوَّضت أمري إليك }.

قال الإمام  أبو بكر دُلَفُ الشِّبْلِي (334 هـ):" الصوفي منقطع عن الخلق، متصل بالحق؛ كقوله تعالى: { واصطنعتك لنفسي } "اهـ --


17

قال أبو عبد الله الرازي :" التصوف: استقامة الأحوال مع الحق "اهـ

ولله در القائل:

وسوف يأتي من أقوال السادة الأكابر ما يعود إلى هذا الفصل، وإنما أخرناه لحكمة الشاهد الظاهر فيه، فنكتفي بهذا هنا. 

تنبيه: فالمُتصوف: لا يتصوف طلباً لعوضٍ أو عائدٍ، بل يسعى إلى بلوغ مرتبة الإحسان، التي تبتني على تمام مكارم الأخلاق، وهو ما يتعارض مع تلك المطالب؛ لأنها دليل على عدم التمام: كيف! وإن مِنَ الخُلُق: رؤية النعمة ونسبتها إلى أهلها؟!!

وقد قال الله : { فاستقم كما أمِرت }، وبيَّنَ حقيقةَ الأمر فقال: { اتقوا الله ما استطعتم }، فمن قدر على عمل طولب به.

قال أبو علي الجوزجاني :" كن طالباً الاستقامَة، لا طالبَ الكرامةِ؛ فإن نفسَك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة "اهـ --


18

وذلك:

تحقِيْقاً لوظيفة العُبُوْدِيَّة التي خُلِقَ للقِيَام بها، على وجه التمام؛ فقد قال الله : { وما خلقت الجِنَّ والإنْسَ إلا ليعبدون }،

وحرصاً - منه - على سلامة الدنيا والآخرة على التحقيق، أي: باعتبار حقيقة الأمر، لا ما يلاقيه العبد من أثر ذلك في الدنيا؛ فإنه قد يُبتلى بحاسِدٍ أو فَاسِدٍ وغير ذلك مما يعرضه لأنواع الفتن والبلايا، ولكنه في حقيقة أمره مُوَقَّر عند أهل الرشاد، مثاب مقرَّب عند رب العباد.

 

ومن بلغ ذلك المقام العزيز، كان حقيقة المقصود والمطلوب عنده: هو الله ؛ قال الله : { ففِرُّوا إلى الله }، { يريدون وجهه } ..

19