فصل

موضوع التصوف الإسلامي

وموضوعه: أعمالُ الظاهرِ والباطن مِنْ حَيْث التخلية والتحلية.

فأما ( التخلية ): فالتهذيب، أي: التزكية والتصفية من مَسَاوئها؛ إذ الناس: قد خُلِقوا بطبيعتهم يَقْبَلون معاني ويُقبِلون عليها، قد حَدَّ فيها الشارعُ حدوداً، لتمييز ما سَنَّ خيريَّتَه وقضاه مقبولاً، مما سَنَّ سوءَه وقضاه مردوداً، فيسعون من خلال ( المعرفة ) إلى الوقوف على حدِّ الشرع - الضامن لما يُعتبر خلقاً كريماً -، فيتطهرون من السيئات، ويُبقون على الحسنات.

فائدة: والجدير بالذِّكر عند الحديث عن طبيعة الناس: أنهم يَقبلون المعاني ويُقبِلون عليها بدافع الغريزة أو الشهوة أو الهوى أو العلم، فقد يكون العبد صالحاً، ويتفاجأ من نفسه تحدثه بسوء، يشككه بصلاحه، سيما وقد سارع إليه الشيطانُ عندما بلغه ذلك، ليضله عن السبيل، موهماً إياه بالضلال!! وليس حقيقة الأمر إلا موافقة معنى من ذلك لِداعِيه، فيتحرك في العبد طبيعةً، فليتنبه. --


20

لذلك قال الله : { إن الأنسان لفي خُسْرٍ * إلا الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات وتواصَوا بالحقّ وتَوَاصَوا بالصَّبر }.

لطيفة: وقول الله : { آمنوا }: إشارة إلى العقيدة، وقوله : { وعملوا الصالحات }: إشارة إلى الفقه، وقوله : { وتواصَوا بالحق وتواصوا بالصَّبر }: إشارة إلى التصوف؛ فقوله : { وتواصَوا بالحَقّ }: إشارة إلى النظر في الحقائق، وقوله : { وتواصوا بالصَّبر }: إشارة إلى العمل بمقتضى الحقائق.

وأما ( التحلية ): فالإتمام، أي: إتمام مكارمها؛ إذ طبيعة الناس ليست تامَّة، بل فيهم النِّسبَةُ والشاهِدُ والاستعدادُ، فيسعون من خلال ( المعرفة ) إلى العمل بالمتمِّمَات.

تنبيه: والإشارة بـ( المعرفة ): إلى وسيلة تحقيق ذلك الآتي ذكرُها إن شاء الله . 

فتمييز خبيث الأعمال ظاهراً وباطناً من الطيب، والدليل على سبيل الطهارة منه، والتحلي بالطيبات: هو الذي يتناوله هذا العلم في موضوعه.

قال الله : { قل إنما حرَّم ربي الفواحش، ما ظهر منها وما بطن }؛ قال سيدنا رسول الله محمد  : { ما أحد أغير --


21

من الله تعالى، ومن غيرته حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن }.

وقال : { ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها  * قد أفلح مَنْ زكاها * وقد خاب مَن دسَّاها }.

وقال : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرونَ }.

وقال سيدنا رسول الله محمد : { ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب }، { إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم }؛ وذلك: أن أعمال الظاهر مبنية على الباطن، مُعتبرة به؛ ألا ترى سيدنا رسول الله محمداً قال: { إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى }، وقد اتفقت الأمة على: أن الأمور بمقاصدها. لذلك قال الله : { يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم }؛ من باب إطلاق السبب وإرادة المُسَبَّب، أي: إلا مَن أتى الله وقد سَلِمَ ظاهره لسلامة باطنه.

تنبيه: وكون أعمال الظاهر مبنية على الباطن لا يعني استغناء الباطن عن الظاهر ابتداء؛ فإن سلامة الباطن تنشأ من الظاهر اكتساباً، ثم تُكوِّن مملكةَ الباطن، ألا ترى --


22

سيدنا رسول الله محمداً يقول: { كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه .. }.

قال الإمام الجنيد :" ( التصوف ): استعمال كل خلق سَنيّ، وترك كل خلق دَنِي "اهـ.

وفي رواية:" ( التصوف ): العُلوُّ إلى كل خُلُقٍ شريف، والعُدُول عن كل خُلُقٍ دنيء "اهـ

وقال :" ( التصوف ): تصفية القلب عن موافقة البريّة، ومفارقة الأخلاق الطبيعيّة، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصّفات الروحانيّة .. "اهـ

وقال مُظَفَّرٌ القِرْميسِينيُّ (289 هـ):" التصوف: الأخلاق المرضيَّة "اهـ

وقال أبو حفص النيسابوري (270 هـ):" التّصوف كله آدابٌ: لكل وقت أدبٌ، ولكل مقام أدبٌ "اهـ

قال العلامة أمين الكردي (1332 هـ):" ينبغي لك أن تتخلى عن الأوصاف الذميمة؛ لأنها نجاسات معنويَّة، لا يمكن التقرّب بها إلى الحضرة القدسية الإلهيَّة، كما لا يمكن التقرب بالنجاسات الصوَريَّة إلى العبادات الإلهيَّة، فلا بُدَّ للسالك أن يزكى من جميعها، ويتحلّى بالأوصاف الحميدة "اهـ --


23

فإن تبين ذلك، بقي السؤال عن الأعمال: كيف يتم تخليتها وتحليتها؟

والجواب مجملاً: إنما يتم ذلك بصحبة شيخ صوفيٍّ متصل السند بسيدنا رسول الله محمد ، ومتابعته على إرشاده جملةً وتفصيلاً.

قال الإمام أبو عبد الرحمن السّلمي :" ( التصوف ) حقيقة: كان حيث لم يكن لسانٌ ولا كلامٌ، وإنما هو بركات تعود على أربابها من جهة الأولياء والمشايخ وتأثير آداب وأخلاق "اهـ

وقال الإمام أبو علي محمد الثقفي (328 هـ):" لو أن رجلاً جمع العلوم كلها، وصحب طوائف الناس، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدّب ناصح، ومَن لم يأخذ أدبه من آمرٍ له وناهٍ، يريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات "اهـ

وقال الإمام أبو عثمان الحِيريُّ (298 هـ):" مَن صَحِب نَفْسَهُ صَحِبَه العُجبُ، ومَنْ صَحِبَ أولياءَ الله وُفِّقَ للوصول إلى الطريق إلى الله "اهـ

وقال أبو عبد الله السَّجْزِي :" أنفع شيء للمُريدين: صُحْبَةُ الصالحين، والاقتداءُ بهم في أفعالهم وأخلاقهم --


24

وشمائلهم، وزيارةُ قبور الأولياء، والقيامُ بخدمة الأصحاب والرُّفقاء "اهـ

قال أبو بكر الترمذي :" مَنْ لم تُرضِه أوامر المشايخ وتأديبهم، فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سُنة "اهـ

وشرط ذلك ما بيّنه الإمام أبو علي الثقفي بقوله:" مَنْ صَحِبَ الأكابرَ على غير طريق الحُرمةِ: حُرِمَ فوائدهم وبركات نظرهم، ولا يظهر عليه من أنوارهم شيء "اهـ

وفي تفصيل ذلك يقول الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (430 هـ):" مباني المتصوفة المتحققة في حقائقهم على أركان أربعة:

1/ معرفة الله تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.

2/ ومعرفة النفوس وشرورها ودواعيها.

3/ ومعرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله.

4/ ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها.

ثم ألزمو أنفسهم  بعد توطئة هذه الأبنية: دوام المجاهدة، وشدة المكابدة، وحفظ الأوقات، واعتنام الطاعات، ومفارقة الراحات، والتلذذ بما أيدوا به من المُطالعات، وصيانة ما خُصُّوا به من الكرامات. لا عن المُعاملات --


25

انقطعوا، ولا إلى التأويلات ركنوا؛ رغبوا عن العلائق، ورفضوا العوائق، وجعلوا الهموم هماً واحداً، ومزايلة الأعراض طارفاً وتالداً.

اقتدوا بالمهاجرين والأنصار، وفارقوا العُروض والعِقار، وآثروا البذل والإيثار .. فهم الأتقياء الأخفياء، والغُرَباء النجباء، صحَّت عقيدتُهم فسلمت سريرتهم "اهـ[ الحلية: 24 ].

ويقول تاج الإسلام الإمام محمد الكلاباذي (380هـ):" علوم الصوفية: علوم أحوال.

والأحوال: مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا مَن صحَّح الأعمال.

وأول تصحيح الأعمال: معرفة علومها، وهي: علم الأحكام الشرعية من أصول الفقه وفروعه: من الصلاة، والصوم، وسائر الفرائض، إلى المعاملات: من النكاح، والطلاق، والمبايعات، وسائر ما أوجب الله تعالى ونَدَب إليه، وما لا غناء به عنه من أمور المعاش.

وهذه: ( علوم التَّعلم والاكتساب ).

فأول ما يلزم العبد: الاجتهاد في طلب هذا العلم وإحكامِه، على قَدر ما أمكنه ووسِعه طبعه، وقوي عليه فهمه، بعد إحكام علم التوحيد والمعرفة، على طريق --


26

الكتاب والسّنة وإجماع السلف الصالح عليه، القَدْر الذي يتيقن بصحّة ما عليه أهل السّنة والجماعة.

فإن وُفّق لما فوقه من نفي الشبه التي تعترضه: من خاطر أو ناظر: فذاك، وإن أعرض عن خواطر السوء اعتصاماً بالجملة التي عرفها، وتجافى عن المُنَاظر الذي يحاجَّه فيه ويُجادله عليه، وباعده: فهو في سِعة إن شاء اللهُ ، واشتغل باستعماله علمه وعمل بما علم .

فأول ما يلزمه: علم آفات النَّفْسِ، ومعرفتها، ورياضتها، وتهذيب أخلاقها، ومكائد العدو، وفتنة الدنيا، وسبيل الاحتراز منها.

وهذا العلم: ( علم الحكمة ).

فإذا استقامت النفس على الواجب، وصلحت طباعُها، وتأدبت بآداب الله .. يمكن العبد مراقبة الخواطر، وتطهير السرائر. وهذا هو: ( علم المَعرفة ).

ثم وراء هذا: علوم الخواطر، وعلوم المشاهدات والمُكاشفات، وهي التي تختص بـ( علم الإشارة ): وهو العلم الذي تفرَّدت به الصوفية، بعد جمعها سائر العلوم التي وصفناها ..

ثم لكل مقام بدء ونهاية، وبينهما أحوال متفاوتة، ولكل مقام علم، وإلى كل حال إشارة، ومع كل مقام --


27

إثبات ونفي، وليس كل نفي في مقام كان منفياً فيما قبله، ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتاً فيما دونه "اهـ[ التعرف: 86 – 88 ].

قال الإمام الجنيد :" ( التصوف ): تصفية القلب عن موافقة البريّة، ومفارقة الأخلاق الطبيعيّة، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصّفات الروحانيّة، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبديّة، والنّصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول في الشريعة "اهـ

وقال عمرو المكي (291 هـ):" التصوف: أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت "اهـ.

قال أبو الخير الأقطع (340 هـ):" ما بلغ أحد حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة، الأدب، وأداء الفرائض، وصُحبة الصالحين "اهـ.

ويتلخص ذلك جميعاً بقولنا: الانضباط الظاهري والباطني بتمام الحكم الشرعي؛ قال الإمام الجنيد :" ما أخذنا التصوفَ مِنَ القِيل والقال، ولكن: عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمُستحسنات، وكثرة ذكر الله ، وأداء فروضه وواجباته وسُننه، والاتِّباع لجميع ما أمر به، والانتهاء عن جميع ما نهى عنه "اهـ --


28

وقال سيدي الشيخ إبراهيم غنيم :" ( التصوف ): هو الالتزامُ بأحكام الشَّرع، والعملُ بها في عمقها - لا في ظاهرها فقط -، واجتناب العملِ بالحيلة، ورجاءِ شيءٍ من الناس بالعمل "اهـ.

فائدة: ولا شك أن في ذلك من الكلفة  والبلاء على النفس ما لا يعلمه إلا الله ، لذلك قال : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }، { أم حسب الذين آمنوا أن يقولوا آمنا ولمَّا يُفتنون } ..

قال الإمام عفيف الدين عبد الله اليافعي :

فمسيئ هو المريدُ الذي يظن أن الطريق سهل بسيط، بل إن مَن ظن ذلك لا يزال يُقدِّم قدماً ويؤخر أخرى، حتى يُفارق القوم يأساً، أو يوقن الحق في هذا الأمر: أن طريق التصوف، طريق محتف بالمكاره، مليءٌ بالصِّعاب، لا يصلح إلا لمن صحح هِمَّته، وجعل وظائفه همومه، وعلى رأس أولوياته، بحيث يفرغ منها للدنيا - ولو كانت للآخرة -، لا العكس؛ قال سيدنا رسول الله محمد : { أن يكون اللهُ ورسولُه أحب إليه مما سواهما }. --


29

فائدة: ومع بيان هذا الأمر، يظهر: أن الأعمال تزداد بازدياد الدرجات وارتفاع المقامات، فيبطل ما ينسبه بعض المبتدعة إلى الصوفية : أنهم ينتهون إلى رفع التكلييف!! كيف! ومدار العبادة على الأعمال الظاهرة والباطنة؟!

قال تاج الإسلام الإمام الكلاباذي (380 هـ):" أجمع الصوفية: أن جميع ما فَرَض اللهُ تعالى على العباد في كتابه، وأوجبه رسول الله : فرضٌ واجِبٌ، وحتم لازمٌ على العُقلاء البالغين، لا يجوز التخلف عنه، ولا يسع التفريط  فيه بوجه من الوجوه لأحدٍ من الناس: مِنْ صِدِّيقٍ ووليٍّ وعارِفٍ، وإن بلغَ أعلى المراتب، وأعلى الدَّرجات، وأشرف المقامات، وأرفع المنازل "اهـ[ التعرف: 58 – 59 ].

تنبيه: وهذه العبارة قد يطلقها القوم ويريدون رفع الكلفة ( أي: المشقة ) في الأعمال، كما قال سيدنا رسول الله محمد : { أرحنا بها يا بلال }، فيختلط على الجاهل بأحوالهم وأقوا  لهم الأمر، ويظن بهم الظنون!!

وحول المعنى الباطل - وهو الذي يُروجه المبتدعة لهذه العبارة؛ فِتْنَةً للناس -، يقول الإمام الجنيد - وقد سُئل عن مقالة لبعض المبتدعة الذين يزعمون ذلك فعلاً -:" إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال!! وهو عندي عظيم، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول --


30

هذا؛ فإن العارفين بالله تعالى: أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عام لم أنقص من أعمال البِرِّ ذرَّة، إلا أن يُحال بي دونها، وإنه لأوكد في معرفتي، وأقوى في حالي "اهـ

وبهذا يتبين بطلان شبهة العصمة في مباشرة المحرمات، التي ينسبها المبتدعة إلى الصوفية .

قال الإمام الكلاباذي :" أجمع الصوفية: أنه لا مقام للعبد تسقط معه آداب الشريعة: من إباحة ما حظر الله، أو تحليل ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحل اللهُ، أو سقوط فرض من غير عُذر ولا عِلَّة: ( والعُذر والعِلة: ما أجمع عليه المسلمون، وجاءت به أحكام الشريعة ). ومَن كان أصفى سِرّاً، وأعلى رُتبةً، وأشرفَ مقاماً: فإنه أشد اجتهاداً، وأخلص عملاً، وأكثر توقياً "اهـ[ التعرف: 59 ].

قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ (367 هـ):" ما دامت الأشباح باقية، فإن الأمر والنهي باقٍ، والتحليل والتحريم مخاطبون به، ولن يجترئ على الشبهات إلا مَن تعرَّض للحُرُمات "اهـ

وسئل الإمام أبو علي الروذباري (322 هـ) عمَّن يسمع الملاهي، ويقول: هي لي حلال؛ لأني قد وصلت إلى --


31

درجة لا يؤثِّر فيَّ اختلاف الأحوال؟! فقال:" نعم!! قد وصّلَ لَعَمْري: ولكن إلى سَقَر "اهـ

وأما ذمُّ المبتدعةِ الصوفيةَ  في طلبهم الله تعالى لِذاتِه وقولهم:" ما عبدناك خوفاً من نارك، ولا رجاء بجنَّتك ": فإنه محض الجهل المُركب؛ لأن ذلك لا يعني عدم خوف ورجاء لنفس الأمر، وإنما معناه: أن الخوف والرجاء لم يكونا شرطَ العِبادة أو سببها، ولا وجهاً من ذلك فيها، وذلك قول الله : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعَشِي يُريدون وجهه }، وقوله : { ومن الناس من يشتري نفسَه ابتغاء مرضاة الله }.

وقد قال الله : { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تتدعون }، والمقصود - بالنسبة للسادة الصوفية -: فلا تُردون إلا معنى سوانا في الدنيا والآخرة، رغم ما ستنالونه من نعيم أخروي تتمناه النفوس وتباشره عن شهوة؛ إذ تلك الدار يكون الاشتغال فيها بتلك الأمور نعمة من كل وجه بعد انقطاع الفتن، وقد تكفل الله أنه جمعهالهم دون أن تصرفهم عنه جل جلاله، كما هو حال أمثال بعضها في الحياة الدنيا.  --


32

لذلك قيل:" إن لله تعالى عباداً لو حَجَبَهُم في الجنة عن رؤيته، لاستغاثوا من الجنَّة كما يستغيث أهل النار من النار "اهـ

قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ (367 هـ):" مَن عملَ على رؤية الجزاء: كانت أعماله بالعدد والإحصاء. ومَن عمل على المشاهدة: أذهلته المشاهدة عن التعداد والعدد. ومَن عمل بالعَدد: كان ثوابه بالعَدد؛ قال الله تعالى: { مَن جاء بالحسنةِ فله عشرُ أمثالها }. ومَن عمل على المُشاهدة: كان أجره بلا عدد؛ قال الله : { إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حِساب } "اهـ

وليت شعري! أي عوض يطلبه بالعمل من عرف الحقيقة وسمع قول الله : { إن الله اشترى منَ المؤمنين أنفسهم وأموالهم }؟!

بل أي عوض يطلبه على أعمال توجب له الحياء والاستغفار في صفة فعلها؟!! قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ :" العباداتُ إلى طلب الصّفحِ والعفو عن تقصيرها، أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء بها "اهـ

لذلك قال سيدي الشيخ إبراهيم غنيم :" المُتَصَوِّف: هو مَن يعمل بالشَّرع لله كأنَّه يراه، لا لأي غاية "اهـ، أي: من بلغ مقامَ التصوّف. --


33

تنبيه: فينبغي أن يعلم السالك أن هذا مقام ينزله بفضل الله ، فلا يُقحم نفسه فيه قبل ارتقائه، بل لا يزال يلتفت إلى الأغيار الطيبة، الصحيحة شرعاً، بحسب منزلته، حتى يفنيه الحق فيه.

قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ :" إذا بدا لك شيءٌ من بوادي الحقِّ، فلا تلتفت – معه – إلى جنة ولا إلى نار، ولا تُخطرهما ببالك.  وإذا رجعت عن ذلك الحال، فعَظّم ما عظّمه الله تعالى "اهـ.

وقال :" الراغب في العطاء: لا مِقدار له. والراغبُ في المعْطِي: عزيز "اهـ

 

وأما أن أعمال الصوفية  تشغلهم عن كتاب الله تعالى كما يُروِّج بعض المبتدعة!! فهو محض افتراء؛ كيف وكتاب الله تعالى دستورنا وقربة يُتقرب إلى الله تعالى به؟!

قال أحمد بن أبي الحواري (230 هـ):" إني لأقرأ القرآن، فأنظُرُ في آية، فيَحارُ عقلي فيها، وأعجب من حُفَّاظ القرآن: كيف يَهنيهم النومُ، ويسعُهم أن يَشْتَغلوا بشيءٍ من الدنيا، وهم يتلون كلام الرحمن؟! أما لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقّه، وتلذَّذوا به، واستَحْلُوْا المُناجاة به، لذهب عنهم النومُ؛ فرحاً بما رُزقوا ووُفِّقوا "اهـ --


34

فائدة: ومما يشتبه على البعض: أن اشتغاله بأعمال الصوفية ، بل والبعض يشتبه عليه أن الاشتغال بأعمال الإسلام جملة: يضيع عليه دنياه، ويعيق له منافعها!! وهي شبهة ساقطة؛ كيف وشأن تلك الأعمال تنظيم السلوك والحياة على وِفق مكارم الأخلاق؟!

يقول الإمام الحارث المحاسبي (243 هـ):" خِيار هذه الأمة: الذين لا تَشْغَلُهم آخرتُهم عن دُنياهم، ولا دنياهم عن آخرتهم "اهـ

وقال أبو سليمان الداراني (215 هـ):" كلُّ عمل ليس له ثواب في الدنيا، ليس له جزاءٌ في الآخرة "اهـ

ودعوى تعطل الصوفية عن الكسب واتخاذ الأسباب!! لا تقل عن سابقاتها:

قال تاج الإسلام الإمام الكلاباذي :" أجمع الصوفية على إباحة المكاسب ( من الحِرَف والتجارات والحرث وغير ذلك ) مما أباحته الشريعة، على تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات ..  وهي عندهم واجبة لمن رُبِط به غيرُه ممن يلزمه فرضه "اهـ[ التعرف: 85 ]

ويقول حمدون القصَّار (271 هـ):" قُعود المؤمن عن الكَسْبِ إلحافٌ في المسألة "اهـ --


35

وقال أبو سعيد الخراز :" مَن ظنّ أنه إذا بذل الجهدَ يصل إلى مطلوبه فهو مُتَعنٍّ، ومَن ظنَّ أنه بغير الجهدِ يصل فهو مُتمَنٍّ "اهـ

قال سيدي وأستاذي الشيخ إبراهيم غنيم :" على المريد أن يعمل .. فلا يجوز له أن يقعد حتى تأتيه العطايا أو الصدقات "اهـ

 

 

36