فصل

واضع التصوف الإسلامي

والواضع: اللهُ تعالى: أوحاه إلى رُسُله وأنبيائه، وألهمَهُ خواصَّ أوليائه.

قال الله : { ألا لله الدِّين الخالِص }، { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة }.

لطيفة: فقوله : { ليعبدوا الله }: إشارة إلى العقيدة؛ فقد خص العبادات المشار بها للفقه في قوله : { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة }، وقوله : { مخلصين له الدين }: إشارة إلى التصوف.

وقال : { ونفسٍ وما سوَّاها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسَّاها }.

وقال سيدنا رسول الله محمد : { بُعثت لأتممَ صالح الأخلاق }.

 وبهذا مع ما تقدم من توضيح في اسم التصوف وحدّه وموضوعه، يتبين: أنه ليس بدعة حادثة في الإسلام، أو أنها --


37

من أعمال أهل الملل والنحل الضالة، تحمَّلها مبتدعةُ الأمة عنهم بعد الفتوحات المباركة، والانفتاح على العالم!! كما يُرَوّج مَن لا خلاق لهم من أهل البِدع؛ وإنما هو خُلاصة التشريع، وصفة كُمَّل العِباد.

ولو أنصف هؤلاء المبتدعة في شأن تصوف أهل الملل والنحل الضّالة، لقالوا: لما كان التصوف روح الشرائع .. إلى آخر ما سيأتي بيانه في فضله، نشأ في تلك الأمم مبتدعة حرّفوا أحكامه، وأحدثوا فيه ما ليس منه، كما يحدث لنا أهل الإسلام: ينبغ من العباد من يبتدع في التصوف أو في العقيدة أو في الفقه ما يُرده عليه أهل الحق بتوفيق من الله تعالى، حتى أننا لولا حفظ الله تعالى دينه إنجازا لوعده { إنا نحن نزلنا الذّكر وإنا له لحافظون }، لقطعنا أن لا يصلنا شيء منه على الصفة المُنزلة؛ لكثرة المبتدعة والفتن، فالحمد لله رب العالمين.

ومما يشفي الصدور من تلك الشُّبُهات بإذن الله : ما دوّنه الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (430 هـ) في كتابه ( حلية الأولياء )، سيما في المقدمة؛ وقد قال فيها:" فقد استعنت بالله [ على ] جمع كتاب يتضمّن أسامي جماعة وبعض أحاديثهم وكلامهم، من أعلام المحققين من المتصوفة وأئمتهم، وترتيب طبقاتهم من النّسّاك ومحجتهم، من قرن  --


38

الصّحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم، ممن عرف الأدلة، وباشر الأحوال والطرائق، وساكن الرياض والحدائق، وفارق العوارض والعلائق، وتبرأ من المتنطعين والمتعمقين، ومن أهل الدعاوى من المتسوفين، ومِن الكسالى والمتثبطين؛ المتشبهين بهم في اللباس والمقال، والمخالفين لهم في العقيدة والفعال. وذلك لما بلغك من بسط لسننا ولسان أهل الفقه والآثار، في كل القطر والأمصار، في المنتسبين إليهم من الفسقة الفجار، والمباحية والحلولية الكفار.

وليس ما حلَّ بالكَذَبَة من الوقيعة والإنكار، بقادحٍ في منقبة البَررة الأخيار، وواضع من درجة الصفوة الأبرار، بل في إظهار البراءة من الكذابين، والنكير على الخونة الباطلين: نزاهة للصادقين، ورفعة للمتحققين "اهـ[ الحلية: 3 – 4 ].

39