فصل

نِسْبَة التصوف الإسلامي

ونسبته: الأصوليَّة؛ لكونه وسيلة التقوى، وسبيل الإخلاص.

فالتصوف: أصل للتحقّق من كل علم وفنٍّ.

قال الله تعالى: { واتقوا الله  ويُعلمكم الله }: في الخبر: { مَن أخلص لله أربعين يوماً ظهرت ينابيعُ الحِكمةِ من قلبِه على لسانه }. 

قال الإمام مالك (179 هـ):" من تفقه ولم يتصوف فقد تفسَّق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق "اهـ

أي: من طلب علم الأحكام الشرعية الفقهيَّة الكُبرى والصُغرى ( أعني: العقيدة، والفقه )، دون تخلية وتحلية، أوقعه ذلك في الفِسق، لما طبع عليه الناس من معانٍ تستلزم ذلك قبل تهذيبها وتحليتها.

ومَن طلب علم التصوف مجرداً عن الأحكام الشرعيَّة الفقهيَّة الكبرى والصغرى، فسوف تزل قدمه في وحول الزندقة؛ لأن أخلاقه مطلقة عن قيود الشرع.  --


49

وقد تقدم: أن الشرع هو ضابط الأخلاق: فوضع حدوداً لها كغيرها من شؤون خلقه.

ومن أمثلة ما قد يسقط فيه هذا الضرب: الجمع بين المتناقضات، وتعطيل حكم الشرع، وتغير حكم الله .. الخ؛ بدافع رحمة أو شفقة أو ورعٍ أو غير ذلك مما لو لم نقف فيه على حكم الشرع لما قاتلنا ولا أقمنا حدوداً وقِصاصاً ولا حتى فرَّقنا بين مسلم وغيره.

ومثل ذلك قول سيدي الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 - 204):

وقال أبو بكر الوراق :"

مَن اكتفى بالكلام من العِلم، دون الزهد والفِقه: تزندق.

ومَن اكتفى بالزهد، دون الفقه والكلام: تَبَدَّع.

ومَن اكتفى بالفقه، دون الزّهد والكلام: تفسَّق.

ومّن تَفنَّنَ في هذه الأمور كلها: تَخَلَّص "اهـ

قال يوسف الرازي (304 هـ):" بالأدب تفهم العِلم، وبالعِلم يصح لك العَمَلُ، وبالعَمَل تنال الحِكمة، وبالحِكمة.  --


50

تفهم الزّهدَ وتُوَفّقُ له، وبالزّهد تترك الدنيا، وبترك الدنيا ترغبُ في الآخرة، وبالرّغبة في الآخرة تنالُ رضى الله "اهـ

وقال الإمام أبو بكر البغدادي :" مَن لم ينظر في التصوف، فهو: غبي "اهـ

وقال سيدي وأستاذي الشيخ إبراهيم غنيم :" هذا الإحسان [ الذي ورد به الحديث عن سيدنا رسول الله محمد ]: هو الذي يعمل به خاصَّة الأولياء؛ فهم يعبدون الله سبحانه وتعالى عبادَةً حقيقيَّة. وهذا النوع من العِبادةِ: هو مُخُّ العِبادةِ فعلاً "اهـ

قال رُوَيْمُ ابن أحمد البغدادي (303 هـ):" قُعودك مع كل طبقة من الناس أسلم من قُعودك مع الصوفية؛ فإن كل الخلق قعدوا على الرسوم، وقعدت هذه الطائفةُ على الحقائق، وطالب الخلقُ انفسَهم بظواهر الشرع، وطالبوا هم أنفسَهم بحقيقة الوَرَع ومُداوَمة الصِّدق "اهـ

 

51