فصل

فضل التصوف الإسلامي

وفضله: الشَّرف الحقيقي؛ لتعلقه بالله تعالى، وتحقيقه معنى العبوديَّة.

قال الله : { ومَن أحسَنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن }.

وقال : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصّديقين والشّهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليما }، { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم }.

وقال سيدنا رسول الله محمد : { يقول الله : { يوم القيامة سَيَعلم أهل الجمْع مَنْ أهلُ الكَرَم } }، فقيل: ومَن أهل الكَرم يا رسول الله؟ قال: { أهل مجالس الذّكر }. وفَصَّل ذلك في خبر آخر فقال: { ليبعثن اللهُ أقواما يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس: ليسوا بأنبياء ولا شهداء؛ هم المتحابون في الله --


52

من قبائل شتى، ومن بلاد شتى، يجتمعون على ذكر الله تعالى يذكرونه }.

قال الإمام أبو نعيم الأصبهاني (430 هـ):" الصوفية: أرباب القلوب، المتسوّرون بصائب فراستهم على الغيوب، المراقبون للمحبوب، التاركون للمسلوب، المحاربون للمحروب، سلكوا مسلك الصحابة والتابعين، ومَن نحى نحوهم من المتقشفين والمتحققين، العالمين بالبقاء والفناء، والمميزين بين الإخلاص والرياء، والعارفين بالخطرة والهمة والعزيمة والنية، والمحاسبين للضمائر، والمحافظين للسرائر، المخالفين للنفوس، والمحاذرين من الخنوس، بدائم التفكر، وقائم التذكر؛ طلبا للتداني، وهربا من التواني.

لا يستهين بحرمتهم إلا مارق، ولا يدعي أحوالهم إلا مائق، ولا يعتقد عقيدتهم إلا فائق، ولا يحن إلى موالاتهم إلا تائق.

فهم سُرُجُ الآفاق، والممدود إلى رؤيتهم بالأعناق، بهم نقتدي، وإياهم نوالي إلى يوم التلاق "اهـ [ الحلية: 27 – 28 ].

وقال الإمام عبد الكريم القشيري (465 هـ):" لقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفَضَّلهم على كافَّة عباده بعد رُسُلِه وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، وجعلَ --


53

قلوبهم معادِنَ أسراره، واختصَّهم من بين الأمة بطوالع أنواره.

فهُم الغَياثُ للخلقِ، والدائرونَ في عموم أحوالهم مع الحق بالحَقِّ؛ صفَّاهم من أكدار البَشَريَّة، ورَقَّاهم إلى مَحَالِّ المُشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحَدِيَّة، ووَفَّقهم للقيام بآداب العُبوديَّة، وأشهدهم مجاري أحكام الرُّبوبية، فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف، وتحقَّقوا بما منَّه سبحانه عليهم من التقليب والتصريف، ثم رجعوا إلى الله بصدق الافتقار ونعت الانكسار، ولم يتكلوا على ما حصل منهم من الأعمال، أو صفا لهم من الأحوال؛ عِلماً منهم: بأنه جل وعلا يفعل ما يُريد، ويختار مَن يشاءُ من العبيد، لا يحكم عليه خلق، ولا يتوجب عليه لمخلوق حق، ثوابه ابتداء فضل، وعذابه حكم بعدل، وأمره قضاء فَصْل "اهـ[ الرسالة: 36 ].

وقال مجدِّدُ القَرن الخامس: حُجَّةُ الإسلام ِالإمامُ أبو حامد محمد الغزالي (505 هـ)، بعد انتهاء بحثه إلى التصوف ورحلته فيه:" أني علمت يقيناً: أن الصوفية: هم السَّالِكُوْن لطريق الله تعالى خاصَّة، وأن سيرتهم: أحسن السِّيَر، وطريقهم: أصوَبُ الطّرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جُمِعَ عقل العُقلاء، وحِكمةُ الحُكماء، وعِلمُ الواقِفين على --


54

أسرار الشَّرعِ مِن العُلماء، لِيُغَيّرُوا شيئاً مِن سِيَرهم وأخلاقهم، ويُبَدِّلوه بما هو خير منه، لم يجِدوا إليه سبيلا؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم: مُقتَبَسَةٌ مِن نُور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوّة على وجه الأرض نورٌ يُستضاء به "اهـ [ المنقذ: 127 ].

وقال مُجدد القَرن السَّادس فَخرُ الدِّين الإمام محمد الرَّازي (606 هـ):" هؤلاء [ يعني: المتحققين من المتصوفة ]: خيرُ الآدميين "اهـ[ اعتقادات: 100 ].

وقال الإمام شهاب الدين محمد السَّهروردي (632 هـ):" إن المشايخ من الصوفية .. شمَّروا عن ساق الجد في طلب العلم المفترض حتى عرفوه، وأقاموا الأمر والنهي، وخرجوا من عهدة ذلك بحسن توفيق الله تعالى.

فلما استقاموا في ذلك متابعين لرسول الله حيث أمره الله تعالى بالاستقامة فقال تعالى: { فاستقم كما أمِرتَ ومَن تاب معك }، فَتَحَ الله عليهم أبوابَ العلوم .. "اهـ[ العوارف: 25 ].

وقد قال الإمام أحمد بن حنبل :" لا أعلم على وجه الأرض أقواماً أفضل من الصوفيَّة "اهـ [ الآداب: 2 / 260 ].

وأسند الإمام اليافعي إليه: أنه كان يتردد إلى بعض الصوفية العارفين ، فقيل له: أتتردَّد لروايةٍ عند هذا --


55

الشيخ؟ فقال:" عنده رأس الأمر: تقوى الله "، وفي رواية، قال:" معرفة الله "اهـ [ روض: 29 ].

وقال الإمام اليافعي :" قال جماعة من العلماء منهم الإمام الشافعي : ( إذا أوصى إنسان بماله لأعقل الناس، صُرِفَ إلى الزُّهاد في الدنيا ) "اهـ [ روض: 22 ]، يعني: الصوفية .

وقال الإمام الجنيد :" لو علمتُ أن لله عِلماً تحت أديم السَّماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا، لَسَعيتُ إليه وأخذته "اهـ

وقال :" التصديق بعلمنا هذا: ولايَةٌ "اهـ أي: صغرى.

وسُئل الإمام عبد الله بن المُبارك (181 هـ): مَن المُلوك؟ فقال:" الزُّهاد "اهـ يعني: الصوفية .

قال الإمام عفيف الدين عبد الله اليافعي (768 هـ):

وقال أبو عبد الله المغربي (299 هـ):" ما فَطِنَت إلا هذه الطائفةُ، واحترقت بما فَطِنت "اهـ


56

وقال الإمام أبو عبد الرحمن السُّلمي :" إن الصوفية: أمان الله في أرضه، وأخدانُ أسراره وعِلمِه، وصفوته من خلقِه، وهم ممدوحون بلسان النبوة .. فمن أنكر هذا المذهب فلقلة معرفته، وقِلة الاهتداء لحقائقه؛ .. { وإذا لم يهتدوا به، فسيقولون هذا إفك قديم } "اهـ

قال بِشْرُ بن الحارث :" بحسْبِكَ أن قوماً موتى تحيى القلوبُ بذكرهم، وأن قوماً أحياءَ تقسُو القلوبُ برؤيتهم "اهـ

تنبيه: وأما ما يشيعه أهل البدع من المنتسبين إلى التصوف الإسلامي وخصومه: أن الصوفي يرتقي فضلاً فوق الأنبياء والمرسلين!!  فبهتان يوجب الحرمان والخسران؛ قال الإمام السلمي :" ابتداء المقامات والمراتب: الصلاح، وانتهاؤه: الصِّدِّيقية. والنبوة والرِّسالة منقطعان عن أحوال الخلائق، ومباينان لها؛ لأن لهم كمال الأحوال، والخلق يمرّون على حواشيها "اهـ[ تسعة: 151 – 152 ].

وقال الإمام الشبلي :" رفع اللهُ قَدْرَ الوسائط بعلو هِممهم، فلو أجرى على الأولياء ذرَة مما كشف للأنبياء لبطلوا وتقطّعوا "اهـ

 

 

57